السبت, 01 تشرين2/نوفمبر 2014 17:55

حقيقة أحكام مجالسة أهل الشرك و حقيقة أحكام الآية الكريمة (إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ)


حقيقة أحكام مجالسة أهل الشرك
و
حقيقة أحكام الآية الكريمة
(إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ)


إن الحمد لله ، نحمده ، ونستعينه ، ونستغفره ، ونستهديه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا , من يهده الله فهو المهتد ، ومن يضلل فلن تجد له ولياًً مرشدا. وأشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، إله الأولين والآخرين ، وقيوم السموات والأراضين ، الذي لا عز إلا في طاعته ، ولا غنى إلا في الافتقار إليه ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، وصفيه من خلقه وخليله ، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حتى أتاه اليقين ؛ فصلوات الله وتسليماته عليه وعلى آله الكرام وصحابته الطيبين الطاهرين ومن اتبعهم بإحسان.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوْا اَّتقُوْا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوْتُنَّ ِإَّلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونْ ﴾
[ آل عمران: 102 ].
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اَّتقُوْا رَبَّكُمْ الَّذِيْ خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَة ، وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ،
وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيْرَاً وَنِسَاءً ، وَاتَّقُوا الله الَّذِي تَسَّاءَلُونَ بِهِ والأَرْحَامْ
إِنَّ الله كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيْبَاً ﴾ [النساء: 1].
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوْا اَّتقُوْا اللهَ وَقُوْلُوْا قَوْلاً سَدِيْدَاً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوْبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ الله وَرَسُولِهِ فَقَدْ فَازَ فَوْزَاً عَظِيمَاً ﴾ [ الأحزاب: 71 ].
وبعد:
فإن أصدق الحديث كتاب الله , وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار. فنعوذ بالله من مضلات الفتن.

حقيقة أحكام الآية الكريمة
إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ 

قال تعالي في سورة النساء ـ وهي مدنية :
وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (140) النساء
قال القرطبي رحمه الله : قوله تعالى: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها) الخطاب لجميع من أظهر الايمان من محق ومنافق، لأنه إذا أظهر الايمان فقد لزمه أن يمتثل أوامر كتاب الله. فالمنزل قوله تعالى: (وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ). وكان المنافقين يجلسون إلى أحبار اليهود فيسخرون من القرآن. وقرا عاصم ويعقوب (وَقَدْ نَزَّلَ) بفتح النون والزاي وشدها، لتقدم اسم الله جل جلاله في قوله تعالى: (فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً). وقرا حميد كذلك، إلا أنه خفف الزاي. الباقون (نزل) غير مسمى الفاعل. (أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ) موضع (أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ) على قراءة عاصم ويعقوب نصب بوقوع الفعل عليه. وفي قراءة الباقين رفع، لكونه اسم ما لم يسم فاعله. (يُكْفَرُ بِها) أي إذا سمعتم الكفر والاستهزاء بآيات الله، فأوقع السماع على الآيات، والمراد سماع الكفر والاستهزاء ، كما تقول: سمعت عبد الله يلام، أي سمعت اللوم في عبد الله.
قوله تعالى: (فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ) أي غير الكفر.
(إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ) فدل بهذا على وجوب اجتناب أصحاب المعاصي إذا ظهر منهم منكر، لان من لم يجتنبهم فقد رضي فعلهم، والرضا بالكفر كفر، قال الله عز وجل: (إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ). فكل من جلس في مجلس معصية ولم ينكر عليهم يكون معهم في الوزر سواء، وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها، فإن لم يقدر على النكير عليهم فينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية. وقد روي عن عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه أنه أخذ قوما يشربون الخمر، فقيل له عن أحد الحاضرين: إنه صائم، فحمل عليه الأدب وقرا هذه الآية (إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ) أي إن الرضا بالمعصية معصية، ولهذا يؤاخذ الفاعل والراضي بعقوبة المعاصي حتى يهلكوا بأجمعهم. وهذه المماثلة ليست في جميع الصفات، ولكنه إلزام شبه بحكم الظاهر من المقارنة، كما قال: فكل قرين بالمقارن يقتدي ، وقد تقدم .
وإذا ثبت تجنب أصحاب المعاصي كما بينا فتجنب أهل البدع والاهواء أولى. وقال الكلبي: قوله تعالى (فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ) نسخ بقوله تعالى: (وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ). وقال عامة المفسرين: هي محكمة. وروى جويبر عن الضحاك قال: دخل في هذه الآية كل محدث في الدين مبتدع إلى يوم القيامة . أ.هـ
***
• أيضا قوله تعالي في سورة الأنعام وهي مكية :
وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (68) وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (69) الأنعام
قال القرطبي رحمه الله تعالي في تفسير هذه الآيات :
قوله تعالى: (وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ) فيه مسألتان :
الأولى- قوله تعالى: (وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا) بالتكذيب والرد والاستهزاء ، (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ) والخطاب مجرد للنبي 
صلى الله عليه وسلم . وقيل: إن المؤمنين داخلون في الخطاب معه. وهو صحيح، فإن العلة سماع الخوض في آيات الله، وذلك يشملهم وإياه. وقيل المراد به النبي صلى الله عليه وسلم وحده ، لأن قيامه عن المشركين كان يشق عليهم ، ولم يكن المؤمنون عندهم كذلك، فأمر أن ينابذهم بالقيام عنهم إذا استهزءوا وخاضوا ليتأدبوا بذلك ويدعوا الخوض والاستهزاء. .... فأدب الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بهذه الآية، (لأنه) كان يقعد إلى قوم من المشركين يعظهم ويدعوهم فيستهزءون بالقرآن، فأمره الله أن يعرض عنهم إعراض منكر.
ودل بهذا على أن الرجل إذا علم من الآخر منكرا وعلم أنه لا يقبل منه فعليه أن يعرض عنه إعراض منكر ولا يقبل عليه. وروى شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله:" وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا" قال: هم الذين يستهزئون بكتاب الله، نهاه الله عن أن يجلس معهم إلا أن ينسى فإذا ذكر قام. وروى ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: هم الذين يقولون في القرآن غير الحق.
الثانية- في هذه الآية رد من كتاب الله عز وجل على من زعم أن الأئمة الذين هم حجج وأتباعهم لهم أن يخالطوا الفاسقين ويصوبوا آراءهم تقية . وذكر الطبري عن أبي جعفر محمد بن علي رحمه الله أنه قال: لا تجالسوا أهل الخصومات، فإنهم الذين يخوضون في آيات الله. قال ابن العربي: وهذا دليل على أن مجالسة أهل الكبائر لا تحل. قال ابن خويز منداد: من خاض في آيات الله تركت مجالسته وهجر، مؤمنا كان أو كافرا. قال: وكذلك منع أصحابنا الدخول إلى أرض العدو ودخول كنائسهم والبيع، ومجالس الكفار وأهل البدع، وألا تعتقد مودتهم ولا يسمع كلامهم ولا مناظرتهم. وقد قال بعض أهل البدع لأبي عمران النخعي: أسمع مني كلمة، فأعرض عنه وقال: ولا نصف كلمة. ومثله عن أيوب السختياني. وقال الفضيل بن عياض: من أحب صاحب بدعة أحبط الله عمله وأخرج نور الإسلام من قلبه، ومن زوج كريمته من مبتدع فقد قطع رحمها، ومن جلس مع صاحب بدعة لم يعط الحكمة، وإذا علم الله عز وجل من رجل أنه مبغض لصاحب بدعة رجوت أن يغفر الله له. وروى أبو عبد الله الحاكم عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" من وقر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام" فبطل بهذا كله قول من زعم أن مجالستهم جائزة إذا صانوا أسماعهم.
قوله تعالى: (وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ.) فيه مسألتان:
الأولى- قوله تعالى: (وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ)" ...
المعنى: يا محمد إن أنساك الشيطان أن تقوم عنهم فجالستهم بعد النهى. (فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى ) أي إذا ذكرت فلا تقعد (مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) يعني المشركين. والذكرى اسم للتذكير.
الثانية- قيل: هذا خطاب للنبي 
صلى الله عليه وسلم والمراد أمته، ذهبوا إلى تبرئته عليه السلام من النسيان. وقيل: هو خاص به، والنسيان جائز عليه. قال ابن العربي: وإن عذرنا أصحابنا في (قولهم إن) قول تعالى:" لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ" خطاب للأمة باسم النبي صلى الله عليه وسلم لاستحالة الشرك عليه، فلا عذر لهم في هذا لجواز النسيان عليه. قال عليه السلام،" نسي آدم فنسيت ذريته" خرجه الترمذي وصححه. وقال مخبرا عن نفسه:" إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني". خرجه في الصحيح، فأضاف النسيان إليه. وقال وقد سمع قراءة رجل:" لقد أذكرني أية كذا وكذا كنت أنسيتها". .......
[سورة الأنعام (6): آية 69]
وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (69)
قال ابن عباس: لما نزل لا تقعدوا مع المشركين وهو المراد بقوله:" فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ" قال المسلمون: لا يمكننا دخول المسجد والطواف، فنزلت هذه الآية." وَلكِنْ ذِكْرى " أي فإن قعدوا يعني المؤمنين فليذكروهم. (لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) الله في ترك ما هم فيه. ثم قيل: نسخ هذا بقوله:" وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ" . وإنما كانت الرخصة قبل الفتح وكان الوقت وقت تقية. وأشار بقول:" وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ" إلى قول:" وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً". قال القشيري: والأظهر أن الآية ليست منسوخة. والمعنى: ما عليكم شئ من حساب المشركين، فعليكم بتذكيرهم وزجرهم فإن أبوا فحسابهم على الله. و" الذِّكْرى " في موضع نصب على المصدر، ويجوز أن تكون في موضع رفع، أي ولكن الذي يفعلونه ذكرى، أي ولكن عليهم ذكرى. وقال الكسائي: المعنى ولكن هذه ذكرى . أ.هـ

***
• فقد تحدثت الآيتين في سورتي النساء وفي الأنعام عن النهي عن التواجد مع أهل الشرك والكفر حال ممارسة شيئا من هذا الكفر أو الاستهزاء بآيات الله تعالي ، ولكن النهي في سورة الأنعام قد جاء علي نحو والمسلمون فيه من الضعف والهوان ما يعجزون معه عن تحقيق هذا الهجر دوما وفي كل الأحوال ، لضرورات أوجبت ذلك أحيانا ، وللعجز والضعف أحيانا أخري ،
• كحالة ضرورة ارتياد المسجد الحرام والطواف حول البيت : قال ابن عباس: لما نزل لا تقعدوا مع المشركين وهو المراد بقوله:" فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ" قال المسلمون: لا يمكننا دخول المسجد والطواف، فنزلت هذه الآية." وَلكِنْ ذِكْرى " أي فإن قعدوا يعني المؤمنين فليذكروهم أ.هـ وهذا الاستثناء لا يفيد الحصر والقصر علي هذا الموقف تحديدا بل هو نموذج لحالة الضرورة لأن دماء المسلمون وحرماتهم أعظم عند الله من حرمة الكعبة ن والله أعلم ...
ـ ثم النهي الآخر في سورة النساء قد جاء والأمر مختلف ، بل كان المسلمون في حالة من المنعة والسلطان ما اقتضي أن تختلف معه الأحكام ...
• أيضا تجد أن النهي الوارد بسورة الأنعام لم يصاحبه التهديد والوعيد علي فاعل ذلك ولا حكما بـ(المماثلة) كالوارد بالآية من سورة النساء علي النحو الذي يعتبر المتلبس بشئ من ذلك مرتكب لجريمة تستحق المؤاخذة والعقاب أو الوعيد الشديد ، بل بالعكس فقد نبهت الآية إلي التذكير بهذا والاهتمام به فقط ، وكما قال تعالي : وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (68) وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (69) الأنعام
• بينما النهي الوارد بسورة النساء قد شددت فيه علي المتلبس بشئ من ذلك بل قد نصت علي حكم (المماثلة) بين المستهزئ ومن جالسه ولم يُنكر عليه ،
• فلما تعارض الحكم في النظر عند بعض الناس بين قوله تعالي :
إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ
النساء
مع قوله تعالي :
وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (69)
الأنعام
قال بعض أهل التفسير : أن الآية من سورة النساء قد نسخت الحكم الموجود في سورة الأنعام أ.هـ
فظن من ظن أن الحكم بالمماثلة الثابت في قوله تعالي : إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ هو الحاكم في كل الأحوال ، ولم يميزوا بين حالة الاستضعاف وانعدام السلطان ، وحالة التمكن أو التمكين ، وظنوا أن إطلاق السلف لادعاء (النسخ) هنا بمعني (رفع الحكم) الأول وإبطاله ، ولم يدركوا الفرق بين (النسخ) و (النسأ) ـ أي تأخير الحكم لما يناسبه من واقع جاء الحكم في ظله وبصدده ـ

المراد بالناسخ والمنسوخ عند السلف والخلف :

يظن كثير من المحدثين أن (النسخ) إذا أُطلق فمعناه : رفع الحكم وإلغاءه بحكم جديد يكون هذا الحكم الجديد (الناسخ) هو المعول عليه في أحكام الشريعة دون الحكم (المنسوخ) ، وليس ذلك هو كل الفهم أو العلم في شأن النسخ عند السلف ...
فالنسخ يطلق عند السلف وقد يراد به :
1ـ رفع الحكم بحكم جديد يلغي الحكم السابق
2ـ وقد يُرفع الحكم القديم لانتفاء مقتضاه ، وهو ما قد سماه النص بـ (النسأ) ، بحيث يعود الحكم إذا عاد مقتضاه (سببه أو شرطه)...
3ـ ثم قد يطلق النسخ ويراد به تبيين المقصود من النص أو قصره علي بعض أفراده أو تقييد مطلقه
جميع ذلك يُسمي نسخ عند السلف
• وفي هذا يقول أهل الأصول : النسخ أقسام :
أحدها : نسخ المأمور به قبل امتثاله ـ وهو النسخ على الحقيقة ـ كآية النجوى
الثاني ـ ما أمر به لسبب ثم يزول السبب كالأمر حين الضعف والقلة بالصبر والصفح ، ثم نسخ بإيجاب القتال ، وهذا في الحقيقة ليس نسخا ، بل هو من قسم (المنسأ) كما قال تعالى : "أو ننسأها" فالمنسأ هو الأمر بالقتال إلى أن يقوى المسلمون ، وفي حال الضعف يكون الحكم وجوب الصبر على الأذى ، وبهذا يضعف ما لهج به كثيرون من أن الآية في ذلك منسوخة بآية السيف وليس كذلك ، بل هي من (المنسأ) ، بمعنى أن كل أمر ورد يجب امتثاله في وقت ما ، لعله يقتضي ذلك الحكم ، ثم ينتقل بانتقال تلك العلة إلى حكم آخر ، وليس بنسخ أنما النسخ الإزالة للحكم حتى لا يجوز امتثاله أ.هـ
• وقال ابن القيم رحمه الله : قلت مراده ومراد عامة السلف بالناسخ والمنسوخ :
1 ـ رفع الحكم بجملته تارة وهو اصطلاح المتأخرين
2ـ . ورفع دلالة (العام) و(المطلق) و(الظاهر) ... وغيرها تارة أخري ... إما بتخصيص / أو تقييد / أو حمل / مطلق على مقيد / وتفسيره / وتبيينه / ... حتى إنهم يسمون الاستثناء والشرط والصفة نسخا ... لتضمن ذلك رفع دلالة الظاهر وبيان المراد
فالنسخ عندهم وفي لسانهم هو بيان المراد بغير ذلك اللفظ بل بأمر خارج عنه ، ومن تأمل كلامهم رأى من ذلك فيه ما لا يحصى وزال عنه به إشكالات أوجبها حمل كلامهم على الاصطلاح الحادث المتأخر أ.هـ إعلام الموقعين ، ابن القيم ، ج 1 ص 36
• إذا أحسنت قراءة ما سطره ابن القيم رحمه الله وتأملته لعلمت أن الظاهر ، والذي هو الأساس في إثبات الأحكام ، قد لا يُعول عليه إذا ما ثبت أن الحقيقة بخلافه بوسيلة من وسائل الإثبات ، وحيث تكون الحقيقة في هذا الموضع هي الدليل وهي الحكم ، ولا يعول علي الظاهر المجرد مع معارضته لهذه الحقيقة ..
إذا علمنا ذلك :
فإن الحكم بالمماثلة الثابت في قوله تعالي : " إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ " النساء لم يكن ناسخا لقوله تعالي " وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (69) " الأنعام ،إلا علي سبيل (النسأ) أي تأخير الحكم إلي وقت الاستضعاف وانتفاء القدرة والسلطان ، فالحكم بـ(المماثلة) لم يكن إلا مع القوة والقدرة والسلطان والتمكين ، وبحسب ما ثبت تنزيله ، لا مجرد التواجد مع الاستضعاف وانتفاء القدرة أو القوة أو السلطان أو التمكين ، كحال المسلمون في مكة قبل الهجرة ...

 

فلابد أن يُراعي في النظر هذا التقسيم :
لابد من الانتباه لهذه الزاوية المتعلقة بمبدأ القدرة علي التغيير ، في فهم هذا النص الخاص بالاستهزاء أو الكفر بآيات الله، وإلا وقع الفساد في ميزان فهم الأدلة الشرعية الضابطة لذلك
• وتأمل هذا الموقف من سيرة الرسول صلي الله عليه وسلم : فإن (ثقيفاً) سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدع لهم (اللات) لا يهدمها ثلاث سنين ، فأبى رسول الله 
صلى الله عليه وسلم عليهم ، فما برحوا يسألونه سنة سنة ، ويأبى عليهم ، حتى سألوه شهراً واحداً بعد قدومهم ، فأبى عليهم أن يدعها شيئاً مسمى، وإنما يريدون بذلك فيما يظهرون أن يسلموا بتركها من سفهائهم ونسائهم وذراريهم ويكرهون أن يروعوا قومهم بهدمها فبعث المغيرة بن شعبة وأبا سفيان بن حرب لهدمها . أ.هـ
• لا يخفي أن ذلك كان كذلك حال وجود هؤلاء القوم تحت يد القدرة وسلطان المسلمين ، وإلا فقد وجد الرسول 
صلى الله عليه وسلم والصحابة بمكة قبل الهجرة ، وبمكة المئات من الأصنام تُعبد من دون الله ويستغاث بها ، ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم ولا صحابته الكرام يتعرضون لها بسؤ لحالة الاستضعاف التي كانوا عليها حينئذ ...
• أيضا حال (عمرة القضاء ) بعد صلح الحديبية وقبل فتح مكة ، وقد جاء الرسول 
صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام معتمرا ، وقد اعتمروا وطافوا بالبيت وحول البيت ما يزيد عن ثلاثمائة صنم لم يتعرض لها بسؤ ، ولم يكن ما بالمسلمين ضعف ولا قلة ، ولكن لكون الأمر خارج عن سلطان المسلمين حينئذ من ناحية / ومن ناحية أخري للعهد الذي كان بين المسلمون وأهل الشرك (صلح الحديبية) / ومن ناحية ثالثة أن تكسير الأصنام في هذا الموطن لم يكن ليغير من الأمر شيئا مع بقاء أهل الشرك علي عقائدهم وممارساتهم .
وتأمل حين كان الرسول بمكة وصناديد قريش تتعمد إهانته من وضع سلا الجزور علي رقبته الشريفة وهو ساجد ، وكما جاء بمسند الإمام أحمد بسنده عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رضى الله عن قَالَ : مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم دَعَا عَلَى قُرَيْشٍ غَيْرَ يَوْمٍ وَاحِدٍ ، فَإِنَّهُ كَانَ يُصَلِّي وَرَهْطٌ مِنْ قُرَيْشٍ جُلُوسٌ ، وَسَلَى جَزُورٍ قَرِيبٌ مِنْهُ ، فَقَالُوا : مَنْ يَأْخُذُ هَذَا السَّلَى فَيُلْقِيَهُ عَلَى ظَهْرِهِ ؟ فَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ : أَنَا . فَأَخَذَهُ، فَأَلْقَاهُ عَلَى ظَهْرِهِ ، فَلَمْ يَزَلْ سَاجِدًا حَتَّى جَاءَتْ فَاطِمَةُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهَا فَأَخَذَتْهُ عَنْ ظَهْرِهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ الْمَلَأَ مِنْ قُرَيْشٍ ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ» . قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : فَلَقَدْ رَأَيْتُهُمْ قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ جَمِيعًا ، ثُمَّ سُحِبُوا إِلَى الْقَلِيبِ ، غَيْرَ أُبَيٍّ أَوْ أُمَيَّةَ ؛ فَإِنَّهُ كَانَ رَجُلًا ضَخْمًا فَتَقَطَّعَ أ.هـ
• فلم يستطيع عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ـ راوي الحديث ـ أن يدافع عن الرسول 
صلى الله عليه وسلم أو يزيح عنه الأذي حتى جاءت فاطمة رضي الله عنها وأزالت هذا الأذي عن عنق أبيها صلى الله عليه وسلم ، ولم يتهم أحد عبد الله بن مسعود رضي الله عنه بأنه شاهد هذا الأذي والاستهزاء بشخص الرسول صلى الله عليه وسلم ولم ينكره ، فهو مثلهم في الحكم ، هذا لم يرد أبدا في مصنفات أهل العلم ولا علي ألسنتهم ولم يكن الحكم إلا لقوله تعالي :
وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (69) الأنعام
كما لم يكن هناك سلطان للمسلمين يستطيع عبد الله بن مسعود أن يستعين به أو ينتصر به علي الكفار فيمنع مثل هذه الممارسات الفاجرة الشركية ...
• فهذا الفعل قد وقع حال ضعف المسلمون وقلتهم ، مع انتفاء سلطان الإسلام و ولايته ، لأن الأمر يختلف عند غياب سلطان المسلمين وولاية الإسلام حيث لم يبق إلا إنكار القلب ، وإنكار اللسان ـ بحسب الطاقة ـ أيهما ظهر علي المسلم فقد أعذر إلي ربه ...
• فلا شك أن هناك من الأحكام ما تستند بالأساس إلي سلطان الإسلام وولايته بحيث لا يؤآخذ بتخلفها أهل الإسلام حال فترات الاستضعاف وعدم التمكين وانتفاء ولاية الإسلام وسلطان الأحكام ،
• وهذا بخلاف ترك العمل بنفس هذه الأحكام حال التمكين وسلطان الإسلام القائم ...
• ومما يدلك علي ذلك في المُقابل ، من سيرة الصحابة رضوان الله عليهم أيضا هذه القصة الشهيرة التي أخرجها البيهقي بطولها من طريق أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب، قال: صليت الغداة مع عبد الله بن مسعود، فلما سلم قام رجل فأخبره أنه انتهى إلى مسجد بني حنيفة، فسمع مؤذن عبد الله بن نواحة يشهد أن مسيلمة رسول الله، فقال عبد الله: عليَّ بابن النواحة وأصحابه، فجيء بهم، فأمر قريظة بن كعب فضرب عُنق ابن النواحة، ثم استشار الناس في أولئك النفر، فأشار إليه عدي بن حاتم بقتلهم، فقام جرير والأشعث فقالا: بل استتبهم وكفلهم عشائرهم، وروى ابن أبي شيبة من طريق قيس بن أبي حازم أن عدة المذكورين كانوا مائة وسبعين رجلا، ومعنى التكفيل هنا ما ذكرناه في حديث حمزة بن عمرو: الضبط والتعهد حتى لا يرجعوا إلى الارتداد، لا أنه كفالة لازمة. أ.هـ
• مع العلم أن هذا النوع من الإجرام وما يرتبط به من قواعد المؤاخذة يُعد من قضايا الحسبة التي يتقرب بها المسلم إلي الله برفع أمر هذا المرتد إلي سلطان المسلمين ، فإذا انتفي سلطان الإسلام ودولته فليس ثم إلا التوجه بالشكوي إلي الله ، وكم رأينا في مجتمع الكفر من التطاول علي الله تعالي وأنبياءه
• فهذا الفعل قد وقع تحت ولاية الإسلام وسلطانه ، ولم تكن هذه المؤاخذة والقتل للفاعل ، والاستتابة للحاضر الذي لم يتضرر ولم يُنكر ، إلا تطبيق صريح للنص الوارد بسورة النساء ..
• من هذه الأدلة وغيرها كثير ، وقد أتينا بما يكفي لاستيعاب الصورة الشرعية الدالة علي الأحكام ، واختلافها باختلاف الواقع ، نستطيع أن نُفرق بين :
- حالة التواجد بين أهل الشرك مع القدرة والسلطان وولاية الإسلام
- وحالة التواجد مع انتفاء القدرة والسلطان وولاية الإسلام

تقسيم آخر :
• ثم أننا يُمكن أن نلفت النظر إلي زاوية أخري في الفهم ، هي زاوية الفرق بين حالتين :
أولا – حالة التواجد بمجلس (مأذون التواجد به شرعا ولهدف مشروع) ، فهذا التواجد بحكم مشروعيته لا ينبئ بما يسؤ المسلم ، فإذا ظهر ما يخالف شرائع الرحمن من بعض المتواجدين ، وفي ظل غياب سلطان الإسلام وولايته ، فالإنكار بالقلب ، أو باللسان حال القدرة علي ذلك ، ثم الحكم لقوله تعالي :
وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (69)
وكما قال القرطبي : قال ابن عباس: لما نزل لا تقعدوا مع المشركين وهو المراد بقوله:" فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ" قال المسلمون: لا يمكننا دخول المسجد والطواف، فنزلت هذه الآية." وَلكِنْ ذِكْرى " أي فإن قعدوا يعني المؤمنين فليذكروهم. (لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) الله في ترك ما هم فيه. ثم قيل: نسخ هذا بقوله:" وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ". وإنما كانت الرخصة قبل الفتح وكان الوقت وقت تقية. وأشار بقول:" وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ" إلى قول:" وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً". قال القشيري: والأظهر أن الآية ليست منسوخة. والمعنى: ما عليكم شئ من حساب المشركين، فعليكم بتذكيرهم وزجرهم فإن أبوا فحسابهم على الله.... وقال الكسائي: المعنى ولكن هذه ذكرى . أ.هـ
• فلو تأملت قولهم في تفسير الآية : وإنما كانت الرخصة قبل الفتح وكان الوقت وقت تقية. لأدركت كيف أن الأمر اختلف في حس السلف وفهم لحالة الاستضعاف عن حالة القدرة والسلطان والتمكن .
• ولو تأملت كيف أن حالة الضرورة قد تضطر المسلم لتحمل ما لا يجوز تحمله في غير الضرورة ، كما ورد بقول المسلمون عند نزول الآية : قال المسلمون: لا يمكننا دخول المسجد والطواف، وليس دماء المسلمون وحياتهم وحرماتهم بأقل ضرورة من ضرورة التواجد عند البيت ....
• ولو تأملت قولهم : ما عليكم شئ من حساب المشركين، فعليكم بتذكيرهم وزجرهم فإن أبوا فحسابهم على الله.... لأدركت كيف أن المسلم المستضعف لم يكن ليُحمّل أعباء لا طاقة له بها بين أهل الشرك .
ثانيا – أما حالة التواجد بمجلس (غير مأذون فيه شرعا) وقد انعقد لنوايا غير مشروعه ، فقد تعلق به النهي في أوضح صوره ... يدلك علي ذلك ما أورده أهل التفسير من معان في تفسير الآيات عندما ذكروا في أسباب النزول : قال القرطبي رحمه الله : وكان المنافقين يجلسون إلى أحبار اليهود فيسخرون من القرآن..
وقال : قال الله عز وجل: (إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ). (فكل من جلس في مجلس معصية) ولم ينكر عليهم يكون معهم في الوزر سواء، وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها، فإن لم يقدر على النكير عليهم فينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية. وقد روي عن عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه أنه أخذ قوما يشربون الخمر، فقيل له عن أحد الحاضرين: إنه صائم، فحمل عليه الأدب وقرأ هذه الآية (إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ) أي إن الرضا بالمعصية معصية، ولهذا يؤاخذ الفاعل والراضي بعقوبة المعاصي حتى يهلكوا بأجمعهم. وهذه المماثلة ليست في جميع الصفات، ولكنه إلزام شبه بحكم الظاهر من المقارنة، كما قال: فكل قرين بالمقارن يقتدي أ.هـ
• هكذا ينبعي أن نعلم أن مثل هذه النصوص الشريفة التي ورد بشأنها الأحكام حال التمكن علي نحو يخالف نفس هذه الأحكام حال الاستضعاف والمحن والشدة ، لا ينبغي أن يُسارع أهل الإسلام بمؤآخذة عباد الله (المسلمين بيقين) ، (المستضعفين بيقين) ، بأفعال غيرهم ممن ليسوا منهم ، وقد علمنا عنهم عدم الرضا بيقين عن كل قول أو فعل يُناقض العقيدة الصحيحة أو يتنافي مع الشرائع الشريفة ولكن ما وجدوا بين القوم إلا علي حالة من الاستضعاف حقيقة من ناحية ، ومن ناحية أخري ما أوجب عليهم هذا التواجد إلا الضرورة الشرعية المتمثلة في :
- الدفاع عن الديانة والهوية الإسلامية ضد الصائل عليها من جحافل الصليبيين والعلمانيين ومجرمي العسكر ،
- والدفاع عن النفس والحرمات التي يتهددها من هو أخبث وأشر من هذا العدو الأدني ،
• زاوية أخيرة ينبغي الانتباه إليها تتمثل في هذا السؤال :
هل الذي أذن لأهل الإسلام بالتحالف مع غير المسلمين لمواجهة العدو الأخبث ، قد اشترط لذلك علي أهل الإسلام أن يتم هذا التحالف مع خضوع الحلفاء لشرائع الإسلام وعقائده ؟؟
(1) هل ثبت شيئا من ذلك في حصار الشعب ؟، حتي أننا نستطيع أن نؤكد أن مشركي بني عبد مناف ( بني هاشم وبني المطلب ) المتحالفون مع الرسول صلى الله عليه وسلم لمواجهة عنت قريش حال حصار الشعب ، قد اشترط عليهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلا يصدر منهم قولا أو فعلا يعبر عن شئ من معتقداته الفاسدة الشركية ، أو تعهدوا هم بشئ من ذلك ... ؟؟؟
(2) والحديث الآخر عند الإمام أحمد ، عن ذي مخمر قال : قال رسول الله 
صلى الله عليه وسلم : [ستصالحون الروم صلحا أمنا فتغزون أنتم وهم عدوا من ورائهم فتسلمون وتغنمون / ثم تنزلون بمرج ذي تُلول فيقوم رجل من الروم فيرفع الصليب ويقول غلب الصليب / فيقوم إليه رجل من المسلمين فيقتله / فتغدر الروم / وتكون الملاحم فيجتمون لكم في ثمانين غاية مع كل غاية اثنا عشر ألفا. ] أ.هـ
هل كانت هذه الغضبة لمجرد وجود الصليب أم للإستعلاء بهذا الادعاء (.. غلب الصليب ..)
يقول شمس الحق الابادي (أبو الطيب) صاحب (عون المعبود) في شرحه علي سنن أبي داود:
ـ (فَتَغْزُونَ أَنْتُمْ) أَيْ فَتُقَاتِلُونَ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ (وَهُمْ) أَيْ الرُّومُ الْمُصَالِحُونَ مَعَكُمْ (عَدُوًّا مِنْ وَرَائِكُمْ) أَيْ مِنْ خلفكموقال السندي في حاشية بن مَاجَهْ أَيْ عَدُوًّا آخَرِينَ بِالْمُشَارَكَةِ وَالِاجْتِمَاعِ بِسَبَبِ الصُّلْحِ الَّذِي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ / (أَوْ) أَنْتُمْ تَغْزُونَ عَدُوَّكُمْ وَهُمْ يَغْزُونَ عَدُوَّهُمْ بِالِانْفِرَادِ.. انْتَهَىقُلْتُ [أي أبو الطيب] : الِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ هُوَ الظَّاهِرُ
(فَتُنْصَرُونَ) ... (وَتَغْنَمُونَ) ...أَيِ الْأَمْوَالَ ، (وَتَسْلَمُونَ) ...(فَيَقُولُ) أَيِ الرَّجُلُ مِنْهُمْ (غَلَبَ الصَّلِيبُ) أَيْ دِينُ النَّصَارَى قَصْدًا لِإِبْطَالِ الصُّلْحِ أَوْ لِمُجَرَّدِ الِافْتِخَارِ وَإِيقَاعِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْغَيْظِ / (فَيَدُقُّهُ) أَيْ فَيَكْسِرُ الْمُسْلِمُ الصَّلِيبَ (تَغْدِرُ الرُّومُ) ...أَيْ تَنْقُضُ الْعَهْدَ (وَتَجْمَعُ) أَيْ رِجَالَهُمْ وَيَجْتَمِعُونَ (لِلْمَلْحَمَةِ) أَيْ لِلْحَرْبِ. أ.هـ [عون المعبود شرح سنن أبي داود ]
(3) أيضا عندما قاتل الصحابي الجليل (الزبير) للضرورة التي أوجبت ذلك ، هل كان من شروط هذه المناصرة أو التحالف ـ حال ضعف المسلمون ـ أن لا يظهر حال القتال أي معلم من معالم ديانة النصاري التي كان يدين بها أفراد الجيش ؟؟؟ والقصة مشهورة
• إن الذي إذن في باب التحالف والتناصر ، بالتحالف مع العدو الأدني ضد العدو الأخبث ، والذي إذن بالتعاون والتناصر بين المسلمين وغير المسلمين لمواجهة العدو المشترك ، لم يجعل من شروط ذلك أن يتخلي الحلفاء عن عقائدهم وشرائعهم المنسوخة بشريعة الإسلام ، ليصح هذا التحالف ، حتي إذا لم يتخلوا عن هذه العقائد أو الشرائع بطل العمل وانتفي الهدف الذي اجتمعنا لأجله ... وإلا صار المسلم في هذه الحالة ممن يُنسب إليه الاتهام بالرضا بكفر الكافرين وتصحيح مذهبهم !!!
• وما أشبه ذلك بما أذن فيه المولي تبارك وتعالي للمسلم بجواز نكاح نساء أهل الكتاب ، ولم يكن من شروط صحة ذلك النكاح أن تتخلي المرأة الكتابية عن عقيدتها ليصح زواج المسلم بها ، فقد صح هذا النكاح شرعا مع الاحتمال الراجح الواضح أن يظهر شئ من معالم هذه العقائد الفاسدة في فلتات لسانها أو بعض أفعالها ، ولم يكن المسلم ليوآخذ بهذا أو يُتهم في دينه ، بل لعلنا نعلم أن مثل هذه الزيجات من الندرة بما يؤكد أن الضرورة هي التي قد تلجئ المسلم لذلك ،
• وبمثل هذا نستطيع أن نقول أن عنصر الضرورة هو في الحقيقة ما يجعل تحالف المسلمين مع غير المسلمين أمرا لا بد منه في بعض القضايا الهامة والمصالح العامة والتي تُحتم علي المسلمين أو تجبرهم ـ أحيانا ـ لقبول هذا النوع من التحالفات لمواجهة ما هو أخطر وأخبث ، ولدفع الضرر الأكبر بيقين ، لمن وعي شئ من موازين العلم وقواعده بهذه الشريعة الغراء ... وبالله التوفيق .

 

انتهي والحمد لله رب العالمين
والصلاة والسلام علي أشرف المرسلين ومن اتبعه بإحسان
كتب
عبد الرحمن شاكر نعم الله
حلمي هاشم
تم قراءته 2248 مره

صفحتنا على الفيس بوك

عدد الزوار

55908102
اليوم
أمس
هذا الاسبوع
الاسبوع الماضى
هذا الشهر
الشهر الماضى
الكل
100015
141998
242013
54563388
3435016
4314358
55908102
Your IP: 54.80.236.48
Server Time: 2017-10-23 18:54:20

أحصائيات الموقع

استطلاع الرأى

الكتاب المفضل عندك ....

الميزان فى معرفة الاركان - 0%
الطاغوت - 50%
احكام الذرية - 50%

Total votes: 2
The voting for this poll has ended on: 15 أيلول 2013 - 07:58
تصميم و تطوير ASHRF100